صديق الحسيني القنوجي البخاري
513
فتح البيان في مقاصد القرآن
عن أبي مالك في الآية قال في سفينة نوح : حمل فيها من كل زوجين اثنين ، وعن أبي صالح نحوه ، وعنه في الآية قال : يعني الإبل خلقها اللّه كما رأيت فهي سفن البر يحملون عليها ويركبونها ، ومثله عن الحسن وعكرمة وعبد اللّه بن شداد ومجاهد . وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ أي وخلقنا لهم مما يماثل الفلك ما يركبونه على أن ما هي الموصولة ومن زائدة وقال مجاهد وقتادة وجماعة من أهل العلم من المفسرين وهي الإبل خلقها لهم للركوب في البر مثل السفن الركوبة في البحر ، والعرب تسمي الإبل سفائن البر ، وقيل : المعنى وخلقنا لهم سفنا أمثال تلك السفن يركبونها ، قاله الحسن والضحاك وأبو مالك ، وقال النحاس : وهذا أصح لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس ، وقيل : هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح . قلت : والعموم أولى ولا وجه للتخصيص ، فيشمل كل ما يركب حيوانا كان أو جمادا دخانا كان أو ريحا ، كالعجلات الحادثة في هذا الزمان ، وما سيحدث في المستقبل بتلاحق الأفكار وتعامل الأيدي والأنظار . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 43 إلى 47 ] وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 44 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 45 ) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 46 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ هذا من تمام الآية التي امتن اللّه بها عليهم ووجه الامتنان أنه لم يغرقهم في لجج البحار مع قدرته على ذلك ، أو لم يحرقهم بنار العجلات الدخانية الحادثة الآن ، والضمير يرجع إلى أصحاب الذرية أو إلى الذرية أو إلى الجميع على اختلاف الأقوال . فَلا صَرِيخَ لَهُمْ الصريخ : بمعنى المصرخ والمصرخ هو المغيث أي فلا مغيث لهم يغيثهم إن شئنا إغراقهم أو إحراقهم ، وقيل هو المنعة وكما يطلق الصريخ على المغيث يطلق على الصارخ وهو المستغيث ، فهو من الأضداد كما صرح به أهل اللغة ، ويكون مصدرا بمعنى الإغاثة لأنه في الأصل بمعنى الصراخ ، وهو صوت مخصوص وكل منهما صحيح هنا قاله الشهاب . وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ أي لا يخلصون ولا ينجون . يقال : أنقذه واستنقذه إذا خلصه من مكروه إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا استثناء مفرغ من أعم العلل ، أي لا صريخ لهم ولا ينقذون لشيء من الأشياء إلا لرحمة منا ، كذا قال الكسائي والزجاج وغيرهما ، وقيل : هو استثناء منقطع أي لكن لرحمة منا .